إسهامات فكرية

إعجاز الهداية في القرآن الكريم

إعجاز الهداية في القرآن الكريم

  • 423
  • 0

إعجاز الهداية في القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيــم

﴿ وَكَذَالِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنَ اَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الاِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىا صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ أَلآَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الاُمُورُ﴾ نحمد الله جلَّ في علاه ونقدِّس المولى ذلَّ من قلاه القائل: ﴿ اِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وصفيُّ الفالحين، شرع الصيام سبيلا إلى التقوى، وسنَّ القيام وسيلة إلى الزلفى القائل ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ وأصلِّي وأسلِّم على صاحب الشفاعة العظمى، والمقام المحمود الأسمى، من صاغه ربُّه فريدا في خلقه، واصطفاه وليُّه مجيدا لوحيه، القائل: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، فاللهم صلِّ وسلِّم عليه الحبيب المصطفى وعلى آل بيته الأبرار، وعلى جلَّة صحبه الأخيار، وعلى من اهتدى بهديه راشدًا إلى يوم تشخص فيه الأبصار.

أيها الإخوة المؤمنون ويا أيها الأحبة الصائمون، ويا أيها الثلة القائمون سلامٌ قولا من ربٍّ رحيم، بشرى لنا حلولُ الشهر العظيم، وطوبى لنا نزولُ الضيف الكريم، ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىا وَالْفُرْقَانِ﴾ شهر أوله رحمة، ووسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، فاللَّهم كما بلغتنا أوَّله بلّغنا آخره، واجعلنا ممن يصوم نهاره اكتسابا، ويقوم ليله احتسابا.

أحيي القائمين على استثمار هذه الندوات العلمية التي تفتق الذهن، وتزيل الوهم، وتصحح الفهم، في آخر ساعات اليوم التي يتضاعف فيها أجر الصوم بما يشوبه من قربات طلب العلم الذي هو مناط التعبد الصحيح، وميزان الثواب الطريس. ولقد آثرت في هذا اللقاء المبارك المكتوب عن المخطوب توثيقا للمعلومة، وتقييدا للفكرة، وحرصا على الوقت، وخوفًا من مزلق الزلل، ومنطق الخطل، في وقت كلَّت فيه الأفهام فلم تعد تقوى على البصيرة قبل أن تتقوى بزاد من الطعام، ورأيتني لا أخرج عن معروض مائدة رمضان، فيما أقدٍّمه لحضرتكم في هذه المأدبة العلمية، حفاظا على نظام الحمية التي يفرضها الشهر على الصائمين والقائمين حتى تستكمل عدَّتها فتخلص القلوب وتزكو النفوس، وترشد العقول.  

أيُّها الإخوة الأفاضلَ. لقد جعل الله تعالى الإنسان خليفة له على الأرض، وسخَّر له ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وكرَّمه على كثير ممن خلق تفضيلا، فحمَّّله أمانة التكليف التي أشفقت من حملها السماوات والأرض تبجيلا، أنزل عليه كتبا تهديه، وأرسل إليه رسلا ترشده، لتستقر قدمه راسخة على الصراط السوي، ويخطو في مأمن من الزلق على طريق يبس لا يخاف دركا ولا يخشى، ليحظى بمرضاة ربِّه العفوِّ يوم تجزى كلُّ نفس بما تسعى

لقد كان آخرَ الكتب السماوية التي أنزلت لهداية البشر القرآنُ العظيمُ الذي ﴿ لاَّ يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنم بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾. ولقد تكفَّل البارئ عزَّ وجلَّ بحفظه ليبقى خالدا إلى يوم الدين، ويستمرَّ حجَّة قائمة على العباد إلى يوم يبعثون،  وقد استودع الله تعالى كتابه العظيم هذا من البينات ما فيه هدى ورحمةٌ للمتقين، وصرف فيه من الآيات ما فيه بلاءٌ مبين، وجعله الكتابَ المهيمنَ على كلِّ ما سواه كما قال: ﴿ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ وتحدَّى الخلق كلَّهم أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله مفتريات، بل ولو بسورة واحدة فما استطاعوا، وبلغ غاية التعجيز والتحدي بقوله ﴿ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىآ أَنْ يـَّاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾.

وإنَّه ليحقُّ لك أخي المؤمن أن تتأمَّل بعمق صنوف التحدِّي التي تحفُّ هذا الكتاب الكريم، وتتساءل بحقٍّ عن أوجه الإعجاز التي تكتف هذا القرآن العظيم، هل يمكن حصرها، هل يمكن تصنيفها؟ هل يمكن ترتيبها حسب أولويتها؟ ثم إنَّه ليحقُّ لك أن ترجع البصر فتنظر بعين الخبير البصير مدى تفاعل بني البشر مع هذه الأوجه من الإعجاز المتبدية، ومدى تأثُّرِهم بهذه الصنوف من الآيات المتحدية، في مختلف مجالات حياتهم، الدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية وغيرها..ثم إنَّه ليحقُّ لك أن ترجع البصر كرتين فتلحَّ في السؤال باحثا عن أهمِّ وجه من وجوه الإعجاز الذي استودعه الله قرآنه، وعن أهمِّ عنصر من عناصر التحدي الذي أودعه كتابه، فكان به رائدا، واستمر به خالدا، ودام به معجزا دائما أبدا.

ثم إنَّه ليتعين عليك أن تكر بالتساؤل مرة بعد مرة عن أول ما يهمُّك أن تعلمه من هذا الكتاب، وعن ماذا يجب عليك أن تعرفه أصالة حتى تنجو من غضب الله ومقته، وتحظى بعفو الله ورحمته، وأنت مستيقن بأنَّ البشر، بل الثقلين كلَّهم متعبَّدون بهذا الكتاب المقدَّس الذي أنزله ربُّ الجِنَّة والناس على من قال له ربُّه ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ والذي أمره أن يخاطب الناس جميعا بقوله:﴿ قُلْ يَآ أَيـُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾

معشر السادة المستمعين إنَّه لو سنحت الفرصة لأحدنا أن يصعد على طائرة شراعية، ويقوم بجولة استطلاعية فوق مشارق الكرة الأرضية ومغاربها لرأى بأمِّ عينه من العجب العجاب ﴿ ما يَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ، وَتَنشَقُّ الاَرْضُ، وَتَخِـرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ﴾ من أنواع الكفر والإلحاد، وأتباع الفسق والفساد، ولشاهد جموعا من المحادين  لله ورسوله، وحشودا من المستكبرين عن آيات الله وكتابه، ممن لا يرقبون في الله إلاًّ ولا ذمَّة، في بلاد أقبلت عليهم الدنيا بكلِّ زخارفها فتنافسوها، ونسوا ما ذُكِّروا به ففتح الله عليهم أبواب كلِّ شيء، فارتقوا في المدنية في أعلى عليين، ولكنهم ارتدوا في البشرية في أسفل سافلين، فحقَّ عليهم قول رب العالمين ﴿أَفَرَآيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىا عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىا سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىا بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَّهْدِيهِ مِنم بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾

كما تجد ذلك الزيغان عن العقيدة الإلهية، وذلك الروغان عن الشريعة الربانية في بلاد قد أناخ الفقر بكلكله عليها، وغشيت الجهالة العمياء أهلها فهم في ضلالهم يعمهون، يعيشون على هامش التاريخ كما يقال، أو هم ليسوا جزءًا من التاريخ أصلا، وكأنَّهم ليسوا من بني البشر، بل هم من بقايا سلالات وحوش البقر، لا يدرون فيما يحيون، ولا فيما يعيشون، ولا فيما يموتون ﴿ كَمَثَلِ الذِي يَنعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً، صُمُّم بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾.

وإن تعجب فعجب أخي المؤمن إذا أنت مررت على البلاد التي كانت مهدا للرسالات، ومهبطا للنبوءات، وكانت محضنا للمرسلين وموطنا للنبيئين، عبر سالف الأزمنة والقرون، وقد قامت فيها الشرائع الإلهية دهورا، واستمرت فيها الديانات السماوية عصورا، حتى اصطبغ أهلها بصبغة الله ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنَ اَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ﴾ وإذا الخلائق قد تغيرت، والأخلاق قد تبدلت، فصرت لا ترى من الديانات إلاَّ رمسا، ومن الصلوات إلاَّ همسا، ومن  تصفح شرائع الله إلاَّ لمسا، و قد أحيل كلِّ ذلك إلى أرشيف القرون الغابرين، وصار من مخلفات القوم المتأخرين. فما الذي دها تلك الأقوام حتى صاروا كالأنعام، و ما الذي تغير في مفهوم الديانة فكان اتباعها على حافة الخيانة، وما الذي جعل أفق شرع الله ينحسر حييًّا بعد أن كان ينتشر صفيًّا؟

أيها الإخوة الأفاضل ما أريد في خطابي هذا استقصاء الأسباب وهي عديدة لا تخفى عن ذوي الألباب، وإنما أودُّ أن ألفت انتباه السادة المستمعين، وأفهام الإخوة المتتبعين إلى خطورة تطور الأحداث، وتغيُّر المفاهيم، وتقلُّب الزمان من خلال حقيقة قد تبدو في طرحها غريبة، وقد لا تنسجم مع  أفكار كثير من الأحبة المنصتين، ولكنني أرى – و الله أعلم فيما أرى – أنَّها من الأسباب البعيدة، ولعلَّها القريبة التي أودت بالأوضاع إلى هذه الحالة المزرية التي تئن البشرية جمعاء تحت وطئتها في جرح صديد ، وتتجرع الإنسانية جماء مرارتها في ألم شديد، وذلك لـمَّا حادت الأنظار عن المقصد الحقيقي من كتاب الله، وحالت الأفكار عن المظهر الإعجازي الأول من كلام الله، والذي يتمثل في الحقيقة المثلى إنَّها حقيقة الهدى أو حقيقة الهداية.

إننا لن نستطيع أبدا أن ننكر قوله تعالى في وصف قرآنه ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ ﴾ وإننا لن نقوى جميعا أو أشتاتا أن نغفل عن الوجوه العديدة المختلفة التي جاء بها القرآن الكريم على وجه الإعجاز والتعجيز إلى يوم الدين، وإنما الذي بدا في العصور الأخيرة- عن قصد أو عن غير قصد- نوع من التوجه والاهتمام إلى حد المبالغة والإغراق ببعض أنواع من الإعجاز القرآني في غفلة عن أهم إعجاز فيه، هو أوله وأعلاه، وأعزه و أغلاه، وأجلُّه وأسناه، وما جاء القرآن الكريم منزلا من قبل مولاه إلا لتجسيده في واقع البشر المعيش إبرازا لعظمته، وإجلالا لمكانته.

لقد ظهر هذا الاهتمام من طرف بعض المسلمين عن نية حسنة تظهر مدى تقديرهم لكتاب ربِّهم الكريم، وما يزخر به من صنوف الإعجاز التي لا تحدُّ، وأوجه التحدي التي لا تعدُّ، تباهيا وتفاخرا على كلِّ من طغى وتجبَّر. كما بدا هذا الاهتمام من قبل كثير من أدعياء الإسلام أو أعدائه المتربصين له – و الله أعلم بالمقاصد و النوايا- توجيها للأنظار إلى بعض حقائق علمية، ومظاهر كونية، وظواهر فلكية، وأسرار طبية، وأرقام حسابية، وأغراض بيانية، وأسرار بلاغية، ولمَِ إلى نغمات صوتية، ومسابقات دولية، وكان التركيز عليها بصورة عجيبة، وفي هذا التركيز ما فيه من تصريف الأنظار عن المقصد الأول من إنزال الكتاب والهدى، وتحريف الأبصار عن الهدف الأمثل من إرسال الرسول وهي الهداية، حتى لا يكترث المسلمون بكتابهم فيزهدون في تعاليمه التي لا توجد إلاَّ فيه، وينصرف عنه غيرهم إذ يجدون عندهم من صنوف المعارف، وفنون العلوم ما فيه الغنة والكفاية، وقد ملكوا نواصيها وصاروا روادها السابقين، وإن قد تردوا في نظر الوجه الإعجازي الحقيقي للقرآن الكريم إلى أسفل سافلين، فغرضهم من ذلك ظاهر بيِّن وقد اتضح الصبح لذي عينين، إنه إبعاد الناس عن طريق الهداية والرشاد، وإبقاؤهم على سبيل الغواية ودرب الفساد. ولا يتسع المجال لضرب الأمثلة وما أكثرها فحسبنا من هذه مقولة للشيخ محمد الغزالي من كتابه القيم فقه السيرة يقول فيها: أمَّا تحويل الإسلام نفسه إلى غناء فيصبح القرآن ألحانا عذبة، وتصبح السيرة قصائد وتواشيح، وقد تمَّ هذا التحوُّل على حساب الإسلام، فانسحب الدين من ميدان السلوك والتوجيه إلى ميدان اللَّهو واللَّعب.... وتحوَّل القرآن إلى تلاوة منغومة فحسب، يستمتع بها عشاق الطرب، وهذا الذي جعل اليهود والنصارى يذيعونه في الآفاق وهم واثقون بأنَّه لن يحيي مواتا... فإذا ابتغى المسلمون العمل الجاد المهيب فليطلبوه من مصادره المصفاة، قرآنا يأمر وينهى، ليُفعل أمرُه ويترك نهيه، وسنة تفصِّل وتوضِّح ليُسار في هديها ويُنتفع من حكمتها، وسيرة تنفح روادها بالأدب الزكي، والقواعد الحصيفة والسياسة الراشدة وذلك هو الإسلام.أهـ

فالسؤال المطروح الذي لا يزال يلح بنفسه في كلِّ حين هو: ما هو وجه الإعجاز الحقيقي الأول والأولى للقرآن الكريم، والذي من أجله أنزله الله وضمن حفظه خالدا على يوم تشخص الأبصار؟

إننا إذا جئنا إلى الإجابة على هذا السؤال العظيم لما أمكن لنا إلا أن نقول: إنَّ أعظم صورة للإعجاز في القرآن الكريم، وأول ما يجب أن تصرف له الأفهام، ويولى له الاهتمام هو الهدى أو الهداية، وهذا ما يؤكده منزل القرآن في كتابه، وعلى لسان رسوله في بيانه.

أخي المؤمن إنك إذا تتبعت مادة هدى وما اشتقَّ منها بمختلف صيغها في القرآن الكريم لوجدتها قد تكررت حوالي ثلاثمائة مرة، أما كلمة الهدى وحدها فتكررت تسعا وسبعين مرة، وقد وُصف القرآن بالهدى والهداية في عشرات من الآيات، وإنَّك لتعجب من أن يكون أوَّل الهدى أوَّل ما يوصف به الكتاب في أول آية من سورة البقرة وهي أول سورة في كتاب الله بعد الفاتحة التي هي أم الكتاب، في قوله تعالى ﴿ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَمِّ ذَالِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾

ويقول:﴿ يَآ أَيـُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبـِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ﴾

ويقول: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

و يقول: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىا وَالْفُرْقَانِ﴾

وإنك لتعجب أن يشهد بهذا الوصف للقرآن طائفة الجنِّ الذين حكى الله تعال عنهم في قوله ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوِا اِلَىا قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَاقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا اُنزِلَ مِنم بَعْدِ مُوسَىا مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىا طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

وفي قوله: ﴿ قُلُ اُوحِيَ إِلَيَّ أَنـَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نـُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا ﴾

والعجب كلُّ العجب أن يشهد بهذا الوصف للقرآن الكريم الذين أوتوا العلم من الديانات السماوية من اليهود والنصارى على الرغم من العداوة المستحكمة بينهم وبين الإسلام،  فهذا ربُّ العزة يقول: ﴿ وَيَرَى الذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبـِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىا صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. ﴾

أيها السادة المستمعون: ما وصف الله تعالى كتابه أبدًا بأنَّه كتاب طبٍّ أو هندسة، أو فلك أو حساب، أو أدب أو قصص أو تاريخ أو غيرها من علوم البشر الدنوية، ولو أنَّه توجد فيه إشارات وتلميحات إليها، ذلك لأنَّ هذه الأصناف من العلوم والفنون مما تقتضيها طبيعة الغريزة البشرية التي  استودها  أصل الإنسان يوم أن علَّم آدم الأسماء كلَّها فتسلسلت مع نسله، فكان يعمل بمقتضاها تلبية لرغباته التي لا تعدُّ، وإشباعا لنهماته التي لا تحدُّ، ومن ثمَّ كان الملائكة الكرام في غفلة عنها لأنَّها لا تتعلق بالدينونة لله والعبودية للخالق فقالوا: ﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ وهم من هم في عبوديتهم لله ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾

على أن العلوم مهما تقدَّمت، والفنون مهما تنوعَّت فلن تكون إلا مصدِّقة لما جاء في القرآن الكريم لأنه الحقيقة الكونية الأزلية التي لا تتبدَّل، ولن يكون القرآن إلاَّ حجَّة عليها، ولن تكون أبدا حجة عليه، وإنَّ الزمان مهما تبدل، والمكان مهما تحوَّل لن يغيرا من عنصر الهداية شيئا مطلقًا، وإليك أخي المؤمن هذه الصورة الرائعة التي تمثل الهدف الأول والغاية المثلى من كتاب الله في الذي قاله سيدنا جعفر بن أبى طالب t للنجاشي ملك الجبشة إذ قال: أيها الملك كنَّا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف – وهذا الذي كثر وشاع في جاهلية القرن الواحد والعشرين بأكثر مما كان عليه في جاهلية القرون الغابرين -  ويواصل سيدنا جعفر فيقول: فكنَّا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منَّا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحِّده ونعبده، ونخلع ما كنَّا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدَّقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا، وحرَّمنا ما حرَّم علينا، وأحللنا ما أحلَّ لنا. 

هذا ما ينقص العالم اليوم  فغشيته الظلمات ﴿فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتُم بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ اِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ, لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ لأنَّه يفتقد إلى نور الله الذي أنزله في كتابه ﴿وَكَذَالِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنَ اَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الاِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىا صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ هكذا تنكَّب الطريق وتاه عن الرشاد، ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ, نُورًا فَمَا لَهُ, مِن نُّورٍ ﴾

هذا هو النور نور الهداية الذي جعل أولئك الأفذاذ الأوائل من الصحابة الأفاضل يبلغون ذرى الكمال، ويرتقون سنام المجد الذي غزَّ ما ينال، ويكونون سادة الأنام، وتطأ سنابك خيلهم بلاد فارس ووهاد الروم، ورحاب أفريقيا، وجنبات أوروبا، يتربعون على عروشها في بضعة أعوام، وتحتضنهم الأمم و الشعوب حيثما حلوا ضاحكة مستبشرة، فيكوِّنون أعظم دولة في تاريخ الأمم، بلغ ملكها مغرب الشمس ومطلعها وساسوها دهرا في أمن وسلام، في حين لم تكتشف من هذه العلوم الحديثة شيء، وما كان لهم فيها من شرك وما لهم منها من ظهير، لكنَّها معجزة الهداية التي حلت وطيدة في القلوب فحولتها نفوسا أمينة، وقلاعا حصينة، وأسودا هصورة، يقول الأستاذ خالد محمد خالد صاحب الكتاب النفيس خلفاء الرسول الذي أنصح كلَّ واحد بقراءته والذي قال عنه الشيخ بيوض رحمه الله يوم أتمَّ قراءته يشترى بوزنه ذهبا: قال في سياق حديثه عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: ذلك لأنه ينظر حواليه فيرى إمبراطوريات تتهدم، وعروشا تنهار، وشعوبا ذليلة تصحو وتتحرَّر، ثم ينظر بيد من يتمُّ هذا العمل الجليل، إنَّه يتمُّ بأيدي الرجال العاديين، والفقراء الأميين الذين آمنوا بمحمد، واتَّبعوا النور الذي أنزل معه، هؤلاء إذن هم قوام الحياة الجديدة. اهـ

وسائل نفسك مرة أخرى عن حال العالم كلِّه، بل عن العالم الإسلامي اليوم  في عصر بلغت فيه العلوم غاية لم تسبق، وتمكن من أسباب الغني بما لا يلحق، فلن ترى إلاَّ هولا، ولا تسمع إلا فزعا، ولا تعيش إلا ضنكا وذلك لما أبعد عن منهجه عنصر الهدى، وعن سبيله مفهوم الهداية التي جاء بها كتاب الله على وجه الإعجاز الأعظم، والتحدي الأكبر لبني البشر. فالهداية هو سر النجاح لمن أراد السيادة على نفسه وهواه، والهدى هو صمام الفلاح لمن أراد السعادة في دنياه و أخراه، ألا ترى أن الهدى هو أول ما أتاه الله أبانا آدم لما أنزله من الجنة  كما قال في سورة البقرة ﴿ قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّـنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾. وقَالَ في سورة طه: ﴿ قال اِهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىا. ﴾ ومن ثمَّ كان أول دعاء علَّمنا الله تعالى إيَّاه أن ندعوه به في كتابه قبل أي دعاء آخر، وضمنه سورة الفاتحة التي هي أم الكتاب، والتي لا تتم الصلاة إلاَّ بها  هو قوله ﴿ اهْدِنَا اَلصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾

 فالهداية الهداية معاشر السادة الأفاضل فهي الوقاية من شرور الدنيا وعذاب الآخرة، وهي الملاذ لمن أراد السلامة في المعاش والأمن في المعاد، وإننا كلَّنا حولها ندندن، ولن تتحقق الهداية الحقُّ إلاَّ من عند خالق الهداية، ﴿ قُلِ اِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى ﴾ ﴿ قُلِ اِنَّ الْهُدَىا هُدَى اللهِ ﴾ ولذلك لم يوكل أمر الهداية إلى أحد من خلقه، من ملك مقرب، أو نبيء مرسل لأنَّ الكلَّ في حاجة إلى هداية الهادي إلى سواء السبيل، و إنما تعهَّد بها لنفسه ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِـكُم مَّنْ يـَّهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يـَّهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يـُّتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهَدِّي إِلآَّ أَنْ يـُّهْدَىا فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ولن تجدوا الهدى إلاَّ في كتاب الله ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبـَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمُ, إِلَىا ذِكْرِ اللَّهِ ذَالِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَّشَآءُ وَمَنْ يُّضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد ﴾ وصدق الحبيب المصطفى واصفا كتاب ربِّه الذي اصطفى: هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله  من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم.

اللَّهم اجعلنا ممن حكمت عليهم بأنهم على هدى من ربِّهم في قولك: ﴿ الـم ذَالِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ اَلذِينَ يُومِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ اَلصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالذِينَ يُومِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَئِكَ عَلَىا هُدًى مِّن رَّبـِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون. ﴾ ،﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيـَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾                 

والحمد لله ربِّ العالميــن

عيسى بن محمد الشيخ بالحاج أستاذ بمعهد الحياة

أضف تعليقا

عدد التعليقات (0)