إسهامات فكرية

هموم المسلمين

هموم المسلمين

  • 30
  • 0

هموم المسلمين

الدكتور شكري فيصل

 

السيد الأستاذ الجليل العالم العامل الشيخ بيُّوض إبراهيم حفظه الله وأفاء نِعمَهُ عليه السلام عليك ورحمة الله وبركاته.

وبعد فقد عدت إلى الجزائر العاصمة من الجزائر الواحات ممتلئ النفس بالذي لقيت وشهدت وسمعت وأحسست أن كل شيء حولي يثيرني ويغنيني وينمي كل عاطفة خير عندي ويبعث الومضة تلو الومضة في ذهني.. ولم أكن خلال هذا الأسبوع في الحاضر وحده ولكني كنت أتراوح بين الماضي والحاضر والمستقبل.

إن صورة المجتمع الذي شهدته تقًى وتماسكا، صلاحا وتفتحا، رقة وبُعد نظر من الصور التي ستعايشني مادمت واحدا من الجماعة الإسلامية الكبرى التي تنظر إلى غد مشرق يحيى فيه المسلمون كما ولدوا إخوة يفضلون الجماعات الأخرى ويتفاضلون فيما بينهم بمقياس واحد وهو التقوى.

إن هذه الرسالة القصيرة لا تتسع للتعبير عما يؤلمني... فقد عشت معكم وبينكم كما لو كنت واحدا منكم أو كنت بعضا من دنياي العريضة الفاضلة التي أتطلع إليها... وكانت الرعاية التي راعيتموني بها نموذجا للخلق الإسلامي الرفيع الذي يجد في المسلم أخاه، وكانت الأحاديث التي اسمعتمونيها نموذجا للفكر الإسلامي المتطلع الذي يريد أن ينفتح على كل ما حوله ليستوعب كل ما حوله... وكانت هموم الحياة التي وجدت أنها تستبدُّ بكم نموذجا لهموم الحياة الإسلامية التي تريد أن يكون لها في كل المجالات: الزراعة والصناعة والتجارة أوفى نصيب..

وكان القليل الذي يغشاكم وأنتم تنظرون حالة المجتمع الإسلامي هو القلق المنتج الخصب الذي يتخذ من فساد الواقع منطلق قوة لا منطلق يأس.

وأشهد لقد كان كل ذلك غذاء يمدني بالقوة ويسعفني بالأمل ويفتح لي على طريق المستقبل أعرض النوافذ وإذا كان لمثل هذه اللقاءات من فائدة فذلك حين تجاوز اللقاء إلى الصلة، والاستماع إلى الوعي، والفكرة الواحدة إلى الفكرة المتكاملة، والأفق المنفرد إلى الأفق المشترك.

وذلك هو الذي كان عندي من أكبر الأثر، وفي هذه الأيام التي سعدت فيها بالاجتماع إليكم... وذلك هو الذي يدفع بي _وقد عدت_، أن أجلس فأكتب إليكم.

وكان من الحق أن أكتب إليكم من قبل شاكرا... ولكني أحس أن كلمات الشكر دون أن تستطيع الوفاء بالذي أحب أن أقول... فلأدع ذلك ليكون حديث القلب إلى القلب همسا من غير جهر، ومناجاة من غير تقييد، ويبدو لي أني أستطيع أن أدير حديثي حول نقاط أربع.

إن هذه النقاط تنبع من اعتقادنا بأن الإسلام المعاصر _أعني إسلام المعاصرين_ يعاني أزمات حادة منشؤها هذا التطور الضخم الذي تعانيه الجماعة الإسلامية: وهذه الأفكار الكثيرة الجديدة تداخلها حينا وتغزوها حينا وتفرض عليها حينا ثالثًا.. وإن الإسلام والمسلمين مناهم في كثير من المرات هدف هجوم حاد لا يمكن أن ينال بعضهم وأن يعفو عن بعض آخر.. وأن الجماعات الصغرى لا تملك مهما تؤت من براعة الذهن وشدة التماسك وقوة المحافظة أن تبقى وحدها وبخاصة في هذه الفترات من تاريخ العالم التي يطال فيها كل شيء والتي تتخلل فيها التأثيرات كل طبقة وتنفذ من كل المسامات وتركب الهواء والرياح والأثير والفضاء إلى أعمق أعماق الدنيا.

والمسلمون جميعا أمة واحدة من دون الناس.. ولأنهم كذلك فإن أبرز ما يميزهم أن تكون حركتهم واحدة وأن تكون وجهتهم واحدة على نحو ما هي قبلتهم واحدة كذلك، ولذا يبدو ضروريا أن يكون دفاعهم واحدا ضد هذه الجماعات المستشرية.

1- نحو فكر إسلامي غني مكين:                                     

والذي يهاجمون به الآن ليس الاستكبار كما في أيام مكة ولا النفاق كما في أيام المدينة ولا الحرب كما كان الصليبيون وإنما هو إفساد العقيدة لا بالعقائد السابقة القديمة كما حدث في أيام العباسيين وإنما بالثقافة الجديدة التي تتصل بالحياة والغذاء والرفاهية وتتلبس بالإنسانية والتحرر... وأعني _بإيجاز_ التي تجمع بين المثل والواقع.

فهل يستطيع المسلمون أن يثبتوا لهذا ؟

إن عقيدتنا لا تتزلزل في أننا نستطيع ذلك.. ولكننا من أجل أن نواجه هذه الأخطار الفكرية لابد لنا من تَفَهُّمِهَا أَوَّلاً لتكون مواجهتها بفكر مماثل أو بفكر أغنى.. لابد من أن تكون (أو تكون جماعة منا) على صلة بكل التيارات المعاصرة وأن تكون في ذات الوقت على صلة بكل ما في الإسلام من حقائق حتى تستطيع أن تنهض بهذه المهمة.

وأكثر المسلمين اليوم _والأسف يحزنا_ لا يجمعون بين هذين: بين من يعرف الإسلام معرفة دقيقة وبين من يعرف الفكر المعاصر معرفة دقيقة.. وندرة نادرة أولئك الذين يستطيعون أن يكونوا القوي الأمين الذي أشار إليه القرآن الكريم.

أفليس من الضروري إذن أن تتفرغ جماعة من مفكرين لهذا ؟

أليس ذلك فرض عين نأثم جميعا في إهماله إلا أن ينقذنا من ينهض به ليرفع هذا الإثم؟

هنالك محاولات فكرية كثيرة خلال نصف القرن الأخير.. ولكنها موزعة مشتتة هذا أولاً.. والسلاح الفكري متجدد دائما وهذا ثانيا.. ثم ليس هو سلاح الأفكار المادية ولكن سلاح الكنيسة التي تحاول بناء فكر جديد.. فلابد إذن من أن ينفرد بعض المسلمين لهذا مادام هذا الفكر لا يتسرب إلى مجتمعاتنا تسرباً وإنما يهاجمها هجوما.

هل نوفق إذن إلى: إفراد جماعة من الشبان النابهين إلى الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية يُعَدُّون إعدادا إسلاميا متميزا في الدراسة الثانوية وفي سنة بعدها أو سنتين يُحمَلُون على إتقان لغتين أجنبيتين من ثلاث (الانجليزية والفرنسية والروسية) ويبدو أن مرحلة الليسانس في بلد عربي ثم مرحلة الدكتوراه في واحد من هذه البلاد ينتظر ما يكون منهم من خير بإذن الله ؟

الفكر المعاصر يا سيدي ذلك هو الذي يجابه بفكر مثله... ولعل ذلك أن يكون من ثمرات حركة الإصلاح التي تقومون عليها ومعهد الحياة الذي تريدون أن يكون أبناؤه للحياة.

2- المشاركة في أعمال الفداء:

المسلمون اليوم في فلسطين على أبواب كارثة إن هم تخاذلوا وعلى عتبة النصر إن هم اتحدوا، وقد انتهى الرأي إلى عمل الجماعات لا إلى عمل الحكومات بعد سلسلة من التجارب المرة ومعنى ذلك أن الأمر انتهى إلى الجهاد المنظم ولابد لنا أن نعطي هذا الجهاد لونه الإسلامي، وإذا كانت الحكومات لأسباب واضحة أو خفية لا تستطيع أن تعمل باسم الإسلام _تقية أو إلحادا_ فإن من واجب المسلمين أن يعملوا باسم الإسلام وحده.

إن أثر ذلك في مستقبل حياتنا أثر شديد... إن الأجيال المقبلة ستقول إن تحرير فلسطين تم باسم الدين وحينئذ يكون لهذا الدين مكانه في المجتمع الجديد أما إذا كان التحرير بهذه الأسماء الجديدة فإن ذلك سيمد ظله على المستقبل وقد يؤدي إلى طمس الهوية الحقيقية لهذا الجهاد.

من هنا أتمنى أن يفتح باب التطوع لهذا الغذاء في الجماعة في صفوف حركة التحرير حتى يكون للمتطوعين أثرهم فيما قبل المعركة وفي المعركة فيما بعد.

3- التبشير الإسلامي في إفريقية:

موضوع الإسلام في افريقية يوشك أن يكون أحد الأهداف الأساسية في السياسة العالمية ولست أفيض في ذلك، وحسبي أن أشير إلى أن الإسلام الأسود هو الذي يخيف الدوائر الأجنبية كلها علمانية ومدنية شرقية وغربية أوربية وأمريكية، كاثوليكية وبروتستانتية ولذلك تبذل جهودا لا حصر لها لمحاربته في إفريقية والسياسات الأخيرة في القارة _السودان الجنوبي وحركة الانفصال والتبشير، الحبشة مع مسلميها ومع إريتريا والصومال _السنغال وسنغور _بيافرا ونيجيريا_ مقتل الزعيم النيجيري أحمد_ وجه من وجوه الحرب مع الإسلام وأهله ومحاولة لحصر الإسلام في شمال الصحراء الكبرى مع محاربته في هذا الشمال.

ولذلك يذهب الكثيرون إلى أن وجه المستقبل العالمي سيكون في افريقية ومما يكون من صراع المسيحية والإسلام فيها إذ لا تزال هناك ملايين عشرة أو خمسة عشرة في وثنية لابد أن تنتهي بعدها إلى دين.

وحسبكم في تصوير قوة هذا الصراع أن تضطر الكنيسة لأول مرة في تاريخها إلى إباحة تعدد الزوجات في افريقية تيسيرا لمهماتها الأساسية.

فهل من الممكن أن تتخذ بعض الجهود لذلك: نعد جماعة من الطلبة المؤمنين لهذا أعدادا (يمكن تفصيل الحديث فيه) وننذر أو تنذر نفسها لهذه المهمة التي لا يقدر أثرها وخطرها.

4- التراث المحفوظ في وادي ميزاب: يكثر الحديث عن هذا التراث ويتوزع هنا وهناك وبعضه قيم كبير القيمة وبعضه لا قيمة كبيرة له.. ولابد من الالتفات إليه: جمعا ثم دراسة ثم فهرسة ثم اختيارًا لنشر ما ينشر منه.

وقد يكون ترك ذلك للصدف مؤثرا في تأجيل الاستفادة منه وأعني كذلك أن يتفرغ له بعض من هم أهل له وهم كُثر.

هذا يا سيدي بعض الملاحظات... أنا جد واثق من أنكم قبل كل إنسان آخر على ذكر منها ومعاناة لها... إنكم ما كنتم بحال في حاجة إلى من يتحدث إليكم عنها... وإنما استجزت ذلك تعبيرا عن هذه المشاركة التي يحس بها المرء. وعرفانا لرعايتكم واستجابة إلى الآية الكريمة التي تجعل من الذكرى فرضا في قوله تعالى: }وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىا تَنفَعُ الْمُومِنِينَ{ [الذاريات: 55].

ولكن أكنتم من ذلك دائما إلا على ذكرٍ ويقظة وتنبيه...؟!

إني أعرف أن سعة أفقكم وامتداد نظرتكم تجعل هذا الحديث وكأنه لغو أو نافلة.. ولكني أحسست مع ذلك أني مدفوع إليه على أنه تحية ومشاركة.

وحين لا يجد الإنسان الخيل والمال يهديها.. ولا يجد مجال القول الذي استطاعه المتنبي في قوله:

لا خيل عندك تهديها ولا مال    فليسعد النطق إن لم تسعد الحال

فماذا يفعل إلا أن يدعو لنفسه أن يهديه الله.

وأرجو بعد أن تتقبلوا مرة أخرى خالص شكري لكم وللإخوان جميعا: للذين احتفوا وللذين أطرفوا وللذين تعبوا وللذين استضافوا وللذين عرفوا وعلموا ولا أشك في أني سأحتفظ بأطيب الذكريات لكل الوجوه التي عرفت والأمكنة التي زرت.

وأول دعوانا أن يجمع الله كلمة المسلمين على الحق والخير والعمل المشترك وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

الجزائر: الخميس 23/01/1389هـ،

الموافق لـ: 10/04/1969م

الدكتور شكري فيصل.

أضف تعليقا

عدد التعليقات (0)